(5/4/2024)ضحاياها بالملايين.. حقائق صادمة عن جريمة الاغتصاب وأشكالها

  • Home
  • News
  • (5/4/2024)ضحاياها بالملايين.. حقائق صادمة عن جريمة الاغتصاب وأشكالها

في دهاليز عالم موحش، ترتكب أكثر الجرائم تدميرا للإنسان جسديا ونفسيا، ألا وهي جريمة الاغتصاب التي تهدد سلامة المجتمع وتمزق أرواح الأبرياء مخلفة ذكريات مؤلمة قد تطاردهم مدى الحياة.

وفي زمن تكثر فيه الحروب، تدفع ملايين النساء والأطفال حول العالم ثمن هذه الجريمة التي لا تستثني حتى الرجال، من دون أن يلغي ذلك ارتكابها في زمن السلم أيضا وفي الدول المتقدمة كما الفقيرة، وفي مختلف المجتمعات والثقافات، فقد يكون المجرم مدنيا أو عسكرياِ، من الأقارب أو الغرباء.

بعد أن يشبع غريزته، يترك المجرم ضحيته محطمة تحاول جمع أشلاء روحها التي كادت أن تنتزع منها حين كان يتلذذ بانتهاك كرامتها الإنسانية، وفوق هذا يخشى العديد من الضحايا الإفصاح عما تعرضوا له، لأسباب مختلفة، على رأسها وصمة العار وإمكانية إلقاء اللائمة عليهم من قبل المجتمع، مما يُضاعف من شعورهم بالألم والخوف ويقتل أملهم بالعدالة أو إعادة التأهيل والدعم.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تعرض ما يقارب من 120 مليون أنثى تحت سن العشرين لأشكال مختلفة من الاتصال الجنسي القسري في كافة أنحاء العالم، “وفي حين لا توجد تقديرات عالمية متاحة للعنف الجنسي ضد الأولاد، تشير البيانات الواردة من 24 دولة ذات دخل مرتفع ومتوسط إلى أن معدل انتشار تلك الممارسات يتراوح بين 8٪ إلى 31٪ بين الفتيات و3٪ إلى 17٪ بين الأولاد دون سن 18 عاماً”.

جريمة متجذرة

من شرق العالم إلى غربه ترتكب جرائم الاغتصاب الذي تعرّفه الأمم المتحدة بأنه “فعل فرض اعتداء جنسي على الآخر رغما لإرادته، وذلك من خلال استعمال العنف أو القوة أو التهديد بالأذى أو أشكال أخرى للإجبار، أو في حال عجز الضحية عن الرفض بسبب تأثير الكحول أو المخدرات”.

وتعود أولى عمليات الاغتصاب الموثقة في التاريخ إلى ما قبل 3 آلاف عام، وثقتها مصر القديمة في بردية تحمل الآن اسم”Papyrus Salt 124” ، موجودة في المتحف البريطاني.

وتتضمن البردية اتهامات لرجل يدعى “بانيب” كان يشرف على أعمال بناء مقابر الفراعنة في وادي الملوك بالأقصر، وقد ذكر فيها أنه كان يتحرش بالنساء وقد أقدم على تجريد امرأة من ملابسها واغتصابها.

وأبرز قضايا الاغتصاب عبر التاريخ، تلك التي عُرفت بـ “نساء المتعة”، والتي تعود إلى عام 1932، فخلال الحرب العالمية الثانية، بدأ الجيش الياباني في إنشاء “مراكز راحة”، حيث تم الاحتفاظ بالنساء للعمل كعبيد جنس للرجال في الجيش الياباني، وكانت معظم “نساء المتعة” يجبرن على ممارسة الجنس مع ما متوسطه 20-30 رجلا يوميا.

أما أكبر عمليات الاغتصاب الجماعي التي عرفها التاريخ فحصلت عام 1945 حين أقدمت القوات السوفيتية على اغتصاب عدد كبير من النساء الألمانيات خلال تقدمها في الأراضي الألمانية.

ومن الأرقام المرعبة لإحصاءات عمليات الاغتصاب ما خلص إليه تقرير صدر عن مكتب الإحصاءات الوطني في لندن (ONS) العام الماضي، نشره موقع “METRO ” حيث أشار إلى أنه خلال عام واحد فقط تعرض أكثر من مليون و100 ألف شخص في البلاد إلى اعتداءات جنسية في مقاطعتين فقط.

وبداية العام الحالي أظهر تحقيق مشترك لشبكة “سكاي نيوز” وصحيفة “إندبندنت” البريطانيتين، وجود نحو 20 ألف شكوى متعلقة بالاعتداءات الجنسية والتحرش من قبل موظفين ومرضى على حد سواء منذ عام 2019، وذلك في أكثر من 30 مؤسسة للصحة العقلية في إنكلترا.

بؤر الاغتصاب

يُعتبر دافع الاغتصاب إجراميا، بحسب ما تقوله المحامية في منظمة “كفى” فاطمة الحاج لموقع “الحرة”، يساعده مجتمع متساهل مع هذا النوع من الجرائم، كما الحال في مصر، حيث نجد أن الاغتصاب ظاهرة رغم تشديد القوانين على المغتصب.

ضحايا هذه الجريمة الشنعاء، ليسوا مجرد أرقام، بل هم قصص حقيقية لأرواح تهشّمت وحياة تم تدميرها، “نتيجة ثقافة الاغتصاب التي تحيط بنا”، بحسب ما تقوله هيئة الأمم المتحدة للمرأة حيث “نجد جذورا لهذه الثقافة في تفكيرنا وحديثنا وفي التوجهات العالمية، في حين أنه قد تختلف السياقات، إلا أن دائما ما تكون لثقافة الاغتصاب جذور في المعتقدات الذكورية ومبادئ السلطة والسيطرة”.

ويمكن تعريف ثقافة الاغتصاب كما تورد الهيئة الأممية بأنها “البيئة الاجتماعية التي تسمح بتطبيع وتبرير العنف الجنسي. إنه متجذر في النظام الأبوي ويغذيه استمرار اللامساواة والتحيزات حول النوع والجنس”.

وتشكل الحروب والصراعات، أكثر البؤر التي يمارس فيها الاغتصاب الذي يعتبر أقدم جريمة حرب وأكثرها إفلاتا من العقاب، وآخر الاتهامات بشأن ارتكابها توجهت لحركة حماس، حيث تحدث المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، عن “اتهامات خطيرة جدا” بأعمال “عنف جنسي” ارتكبها عناصر الحركة خلال هجوم السابع من أكتوبر.

والآن يعتبر السودان من أكبر بؤر الاغتصاب، منذ اندلاع القتال فيها في أبريل 2023، حيث أشار تقرير للأمم المتحدة، في فبراير الماضي إلى أنه بحلول 15 ديسمبر 2023، تعرض ما لا يقل عن 118 شخصا للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي ومحاولة الاغتصاب، من بينهم 19 طفلا. ويذكر التقرير أن العديد من عمليات الاغتصاب ارتُكِبت في المنازل والشوارع من قبل أفراد ينتمون لقوات الدعم السريع.

وقال التقرير إن “إحدى النساء احتجزت في أحد المباني وتعرضت للاغتصاب الجماعي بشكل متكرر على مدار 35 يوما”.

كما كشف محققون أوكرانيون أدلة واسعة تظهر انتهاكات ترتكبها القوات الروسية في أوكرانيا، والتي تشمل “الاغتصاب والتعري القسري”، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

وفي إيران، كشفت منظمة العفو الدولية، أن القوات الإيرانية استخدمت الاغتصاب بحق الرجال والنساء لترهيب المحتجين ضد النظام، خلال الانتفاضة التي انطلقت عام 2022.

والعام الماضي كشفت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي، براميلا باتن، عن توثيق 2,455 حالة اغتصاب تم التحقق منها من قبل الأمم المتحدة خلال عام 2022، شكلت النساء والفتيات 94 في المئة من هذه الحالات، مع 6 في المئة ضد الرجال والفتيان، وسجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر عدد من الحالات، حيث بلغت 701 حالة.

ومع ذلك، “نادرا ما يُنظر إلى أحد أبشع أشكال العنف التي تستشري في حالات النزاع أو يلتفت إليها أحد”، كما يذكر صندوق الأمم المتحدة للسكان.

أنواع الاغتصاب

تشمل أنواع الاغتصاب المذكورة في القوانين، بحسب ما يقوله رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية في بيروت، والعميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ، المحامي الدكتور بول مرقص، لموقع “الحرة” “الاغتصاب القسري الذي يتم بالقوة أو التهديد، والاغتصاب دون موافقة صريحة من الضحية، والاغتصاب الجنسي للقاصرين، والاغتصاب الزوجي”.

وتعرّف الأمم المتحدة الاغتصاب الزوجي بأنه أي أعمال غير توافقية بطبيعة جنسية، من قبل الزوج أو الزوج السابق أو الشريك سابق أو حالي تعيش معه ضحية اغتصاب أو تعيش في شراكة يعترف بها القانون الوطني.

كما تشير المنظمة الأممية إلى الاغتصاب التصحيحي الذي تعرفه بأنه “شكل من أشكال الاغتصاب المرتكب ضد شخص ما على أساس ميوله/ها الجنسية أو هويته/ها الجنسية. والغرض من ذلك هو إجبار الضحية على الانجذاب للجنس الآخر أو الهوية الجنسية المعيارية”.

وفي الآونة الأخيرة بتنا نسمع عن الاغتصاب الرقمي، الذي يشمل استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الإنترنت والهواتف الذكية، ففي عام 2022 كتبت امرأة تدعى نينا باتيل (43 عاما)، مقالا على موقع “ميديم” كشفت خلاله أنها تعرضت لعملية “اغتصاب جماعي” في عالم “ميتافيرس” ووصفت التجربة بأنها “كابوس” محذرة من المخاطر الكبيرة التي يمكن أن يواجهها المستخدمون لهذه المنصات الجديدة في المستقبل.

وفي يناير الماضي أوردت شبكة “سكاي نيوز”، أن الشرطة البريطانية تحقق في حادثة اعتداء جنسي على فتاة في الـ 16 من عمرها في عالم الواقع الافتراضي “ميتافيرس”، ما دفع جمعيات حماية الطفولة، إلى مطالبة شركات التكنولوجيا بتشديد مراقبة وحماية المستخدمين الأقل سنا.

ومن أشهر قضايا الاغتصاب في الآونة الأخيرة، قضية نجم برشلونة السابق، البرازيلي داني ألفيش، الذي اتهم باغتصاب امرأة في ملهى ليلي، وقضية صانع المحتوى والبطل السابق في رياضة الكيك بوكسينغ، البريطاني الأميركي أندرو تيت، المقيم في رومانيا منذ عام 2017، حيث تتم محاكمته بشبهة الاتجار بالبشر والاغتصاب وتشكيل عصابة إجرامية منظمة.

كذلك الحال فيما يتعلق بقضية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي أدين العام الماضي بتهمة “الاعتداء الجنسي” على الكاتبة إي جين كارول في عام 1996، في غرفة قياس للملابس في أحد المتاجر في نيويورك، وقضية سكرتيرة الدولة لشؤون التنمية في الحكومة الفرنسية، كريسولا زاخاروبولو، حيث فتح القضاء الفرنسي تحقيقا في عام 2022 بعد تقديم شكويي اغتصاب ضدها، تتعلقان كما ذكرت صحيفة “ماريان” الأسبوعية بوقائع جرت في إطار عملها كطبيبة نسائية.

ومن القضايا التي أثارت الاهتمام قضية شبكة الملياردير جيفري إبستين الذي انتحر في سجنه عام 2019 قبل محاكمته بجرائم جنسية، وقضية النجم المغربي سعد لمجرد الذي أدين العام الماضي بتهمة اغتصاب شابة وضربها في غرفة فندق في العاصمة الفرنسية في أكتوبر 2016.

كيفية إثبات الجريمة

تختلف عملية الكشف على ضحايا الاغتصاب فيما إن كانت الضحية قاصر، أو بالغة (18 سنة وما فوق)، أو امرأة متزوجة، كما يقول رئيس الجمعية اللبنانية للطب الشرعي، الدكتور حسين شحرور.

فيما يتعلق بالقاصرات، فإن الكشف على الضحية يتركز أولا بحسب ما يقوله شحرور “فيما إن كانت قد تعرضت لأعمال عنف وفيما إن ترك المعتدي آثارا عنفية وجسدها لاسيما في موضع القبلات، بعد ذلك، يتم فحص جهازها التناسلي للتأكد مما إذا كان هناك فضا لغشاء بكارتها، ويتم ذلك من خلال فحص المنطقة بين فتحتي المهبل والشرج، ثم نعاين كافة جهازها التناسلي خاصة غشاء بكارتها لمعرفة إن كان هناك نوع من التمزقات”.

الحالة النفسية للقاصر ذات أهمية كما يشدد شحرور “وكذلك الرواية التي تنقلها حيث يجب الاستماع إليها بهدوء، إذ في بعض الحالات قد تكون والدتها مطلقة وهي التي دفعتها للادعاء أنها مغتصبة، للحصول على حضانتها”.

وبالنسبة للبالغات، “يجري الاستماع إلى تفاصيل الحادث وفحص الجسم للبحث عن آثار عنف مثل الخدوش وفيما إن كانت هناك مواضع تعرضت للقبل والعض بعنف، والكشف عن محاولة المغتصب إبعاد الفخذين بقوة أمرا هاما للغاية، ثم يتم فحص غشاء البكارة للكشف فيما إن كان التمزق فيه من الحافة الداخلية لفتحة البكارة حتى جدار المهبل كاملا، حيث لا يُعتبر في القانون اللبناني وجود تمزق جزئي فضا للبكارة”.

كما يتم فحص القاصرات والبالغات للتأكد من عدم تعرضهن لأي أمراض تناسلية من خلال أخذ العينات وإرسالها إلى المختبر، وفي كلتي الحالتين يُمكن تحديد فيما إن كان الاغتصاب حديث الوقوع أي من أسبوع، أو قديم ما يزيد عن أسبوع وأكثر.

بالنسبة للمتزوجة، يُعتبر تحديد ما إذا كانت تعرضت للاغتصاب أمرا صعبا بحسب شحرور “ما لم يكن ذلك مصحوبا بأعمال عنفية أو عدم استخدام المغتصب لواقي ذكري مع ترك سائل منوي، ويعتمد ذلك على وقت المعاينة، حيث كلما كانت أقرب إلى وقت الحادث كانت النتائج أدق في كشف السائل المنوي للمغتصب”.

وفي جميع الحالات يتم البحث عن آثار دم وسائل منوي وشعر عانة في الملابس الداخلية التي يتم إرسالها إلى المختبر، كما يتم التأكد فيما إن تناولت الضحية لأي “دواء اغتصاب” الذي يسبب الشعور بالتشوش أو فقدان الوعي، من خلال أخذ عينة من البول والدم إذا طلب القاضي ذلك، حيث أننا نعمل بناء على إشارة القضاء المختص.

ويلجأ البعض إلى “مخدّر الإغتصاب” لارتكاب جريمتهم، ولا يُعتبر هذا المخدر مادّة واحدة فحسب، كما أورد تقرير لمعهد دافيدسون، بل “اسم عام للمهدّئات التي تعمل على الجهاز العصبي المركزي، التي بدورها قد تسهل عملية الاعتداء الجنسي. بعضها عديم الطّعم، الرائحة واللون، أو لا يمكن ملاحظتها عند تخفيفها في الشراب”.

وأضاف “قد تختلف تأثيرات هذه المواد، من دواء إلى آخر ومن شخص إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أنها قد تسبب الشعور بالضبابية، الارتباك، انخفاض القدرة على مقاومة شخص آخر وفقدان الوعي أو الذاكرة”.

ثغرات قانونية

تختلف القوانين المتعلقة بالاغتصاب من دولة إلى أخرى، كما يقول مرقص “على سبيل المثال، تعريف الاغتصاب والعقوبات المفروضة قد تختلف بين البلدان. في بعض الدول، قد يُعتبر الزواج من الضحية بعد الاغتصاب نوعا من تخفيف العقوبة، كما كان الأمر سابقا في لبنان بموجب المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني والتي ألغيت في عام 2017 بموجب القانون رقم 2017/53، حيث كان قانون العقوبات يقدم نوعا من المكافأة للمغتصب بالعفو عنه في حال تزوّج من الضحية، عوضا عن تلقّي عقوبة السجن. وكان على الضحية أن تتحمّل وزر جريمة اغتصابها، بينما في البلدان الأخرى لا يتم التسامح مع هذا النوع من الجرائم”.

إلغاء القانون اللبناني للثغرة القانونية التي كانت تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب في حال تزوج من ضحيته، بعد حملات اعتراض كبيرة من قبل جمعيات نسائية وحقوقية، يعتبر خطوة هامة كما تقول المنسقة العامة في معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين، ورئيسة اتحاد قيادات المرأة العربية في لبنان، المحامية سهير درباس لموقع “الحرة” “وهذا ما قام به المشرع المغربي والمصري والأردني والتونسي، بينما لا تزال بعض الدول العربية تطبق الإفلات من العقاب في حالة زواج المغتصب من الضحية، مثل العراق، الجزائر، سوريا، والكويت”.

بينما تشدد الحاج، على أن المشرع اللبناني أبقى على ثغرتين قانونيتين، هما المادة 505 التي تنص على أنه في حال كانت الضحية قاصراً وتزوجها مغتصبها يُعفى من العقاب، والمادة 518 التي تنص على أنه في حالة إغواء فتاة بوعد الزواج وفض بكارتها، يُعفى المغتصب من العقاب إذا تزوجها.

ويعتبر الاغتصاب فعل جنائي في معظم الدول العربية، تقول درباس “تعرّفه المادة 503 من قانون العقوبات اللبناني على أنه كل من أكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع، في حين يُعرّفه القانون الفرنسي بأنه أي إيلاج جنسي يُرتكب بحق شخص عن طريق الإكراه، ومما يميز في هذا القانون أنه يشمل الذكور والإناث على حد سواء”.

أحد الثغرات الهامة في القانون اللبناني وفقا لدرباس هو أن ” الزوج لا يجرم بحال استعمل القوة والإيذاء والقدح والزم لاغتصاب زوجته علما بأن الايذاء والقدح والذم جرائم يعاقب عليها! في المقابل، لم يستثن القانون المصري الزوج من جريمة الاغتصاب، حيث تُشير المادة 267 إلى أن الاغتصاب هو مواقعة الأنثى من غير رضاها”.

أما الحاج فتعتبر أن القانون اللبناني يعاقب الضحية قبل المعتدي، “لاسيما العاملات في الدعارة (غير المخملية) اللواتي ننظر إليهن في منظمة كفى كضحايا، وإن كن ننتقد من قبل البعض كونهن يمارسن الجنس مقابل المال، وهو ما يعرّضهن بكثرة للاغتصاب من دون أي مساءلة ومحاسبة للمعتدي، كونها إذا قدمن شكوى بذلك، سيواجهن التوقيف حتما”.

وتضيف الحاج “لا بد من التمييز بين من تمارس علاقة جنسية برضاها بعد خضوعها لابتزاز واستغلال مادي، كمثال على ذلك موظفة في شركة تخشى من فقدان وظيفتها إذا لم تلبي رغبات مديرها، ففي مثل هذه الحالة، نكون أمام ابتزاز واستغلال جنسي، وبين من يقيم معها مديرها أو أي شخص آخر علاقة جنسية بالقوة والتهديد من دون موافقتها”.

مروحة عقوبات

فيما يتعلق بالعقوبات، فإن جريمة الاغتصاب تعتبر في القانون اللبناني بحسب درباس “جناية يُعاقب عليها بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأقل. وقد حدد المشرع اللبناني حالات مشددة للعقوبة وحالات مخفضة، فعلى سبيل المثال لا تقل العقوبة عن سبع سنوات إذا لم يتم المعتدى عليه الـ15 من عمره.”

أما في قطر فعقوبة الاغتصاب تقول درباس “هي الإعدام، وكذلك في مصر والعراق العقوبة هي الإعدام أو السجن المؤبد، كما أن السودان يطبق عقوبة الإعدام في بعض الأحوال، وفي سلطنة عمان تتراوح العقوبة بين 10 إلى 15 سنة سجن، أما في فرنسا، فتصل العقوبة إلى 20 سنة والسجن مدى الحياة إذا أدى الاغتصاب إلى وفاة الضحية”.

ورغم عدم وجود أي دولة عربية تجرّم الاغتصاب الزوجي بنص صريح، إلا أنه في عام 2019 حصلت سابقة في تاريخ القضاء في العالم العربي، حيث أدانت محكمة في مدينة طنجة شمال المغرب رجلا متهما في قضية اغتصاب زوجي.

لم تدم فرحة المنظمات النسوية في المغرب بهذه السابقة القضائية طويلا، مع صدور عقوبات متساهلة بحق المغتصبين، منها إعادة إدانة ثلاثة أشخاص بسنتين سجن في قضية “اغتصاب جماعي” لطفلة قاصر في الـ 11 من عمرها، في أبريل الماضي، ما أثار جدل “الأحكام المخففة” في ملفات الجرائم الجنسية في هذا البلد.

وتشير الأمم المتحدة إلى أنه “حتى الوقت الحالي، قام اثنان فقط من أصل ثلاثة بلدان بتجريم العنف الأسري، في حين لا يزال 37 بلداً في جميع أنحاء العالم يعفي مرتكبي الاغتصاب من المحاكمة إذا كانوا متزوجين بالضحية أو أنهم يتزوجون في النهاية من الضحية وحالياً فإن 49 بلداً لا توجد فيها قوانين تحمي النساء من العنف المنزلي”.

اقتراحات سدّ الثغرات

جرى إقرار حظر الاغتصاب بموجب القانون الدولي الإنساني في مدوّنة ليبر، وهو يشكل جريمة ضد الإنسانية بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما أن اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول يأمران بالحماية للنساء والأطفال من الاغتصاب، والإكراه على الدعارة، وأية صورة من صور خدش الحياء.

تحتاج الفجوات القانونية في قوانين الاغتصاب في لبنان وفي العديد من الدول العربية، بحسب مرقص إلى “معالجة لتحسين حماية الضحايا وتعزيز العدالة. تتضمن هذه الفجوات تعريفات ضيقة أو غير واضحة للاغتصاب، وعقوبات غير رادعة أو غير متناسبة، ونقص في توفير الدعم القانوني والاجتماعي والنفسي لضحايا جريمة الاغتصاب كما ودعم من المجتمع، واجراءات محاكمة غير فعالة ورادعة للمجرمين لعدم التكرار او لوقف هذه الجريمة”.

بالمقارنة، قد تكون بعض الدول الغربية يقول مرقص “أكثر تقدماً في قوانينها المتعلقة بالاغتصاب، مع توفير حماية أكبر للضحايا وتوفير عقوبات صارمة للمرتكبين، لكن هذا ليس دائما الحال، وتختلف القوانين من دولة إلى أخرى، مما يستدعي الحاجة إلى تعزيز التشريعات وتوفير الحماية لضحايا الاغتصاب في جميع الدول”.

ويضيف “يمكن تعزيز تشريعات مكافحة الاغتصاب لضمان حماية أكبر للضحايا وتحقيق العدالة من خلال تحديث التشريعات لتوسيع نطاق التعريفات وتحديد عقوبات صارمة، بالإضافة إلى توفير دعم شامل للضحايا من خلال خدمات الدعم النفسي والقانوني، وتحسين إجراءات المحاكمة لتوفير بيئة قضائية عادلة وموثوقة، وتعزيز التوعية والتثقيف حول خطورة الاغتصاب وحقوق الضحايا، وتعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة جرائم الاغتصاب بشتى أنواعه، بالإضافة إلى تشديد العقوبات ضد المرتكبين لضمان تطبيق العدالة بحزم وفاعلية”.

آثار مدمّرة

آثار الاغتصاب، “مدمّرة”، كما تصف الحاج “حيث تعاني الضحية من اكتئاب وقلق وتوتر، وقد يصل الأمر إلى درجة تفكيرها بالانتحار وحتى الاقدام عليه، أما منظمة الصحة العالمية فتشير إلى أن العنف “قد يؤثر سلبياً على صحة المرأة البدنية والنفسية والجنسية وصحتها الإنجابية، ويتسبب في زيادة خطورة الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة “الإيدز” في بعض الدول”.

ولفتت المنظمة الأممية، إلى أن واحدة من كل 3 نساء أي حوالي 736 مليون امرأة، تتعرض أثناء حياتها للعنف البدني أو الجنسي من قبل العشير أو للعنف الجنسي من قبل غير العشير، وهو عدد لم يتغيّر تقريبا طوال العقد الماضي.

وتحتاج الضحية وفقا للحاج إلى “علاج نفسي طويل المدى، ولتسريع عملية شفائها، يفترض أن تواجه المعتدي من خلال رفع دعوى ضده والشعور بالدعم من خلال محاسبته بعقوبات قاسية، لكن للأسف لا يتم الإبلاغ عن حالات الاغتصاب بشكل كبير في العديد من البلدان”.

ويكمن دور المحامين في هكذا قضايا، “في تقديم الدعم القانوني والمعنوي والنفسي للضحايا” وفقاً لدرباس “وهناك مراكز مساعدة قانونية توفر العدالة وإعادة التأهيل لهؤلاء، منها معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامية في مدينة طرابلس شمال لبنان، حيث يعمل محامون متخصصون خضعوا للتدريب على تقديم الدعم لضحايا التحرش الجنسي والاغتصاب، سواء من خلال العمل القانوني أو المساندة النفسية”.

ويتطلب التعامل مع ضحية الاغتصاب “أسلوبا خاصا”، تقول درباس “سواء من قبل المحامي أو الضابط العدلي، لضمان تمكينها من الحديث بحرّية حول ما تعرّضت له، حيث لا نزال في مجتمع لا تتجرأ فيه الضحية على الإفصاح عن الجريمة التي ارتكبت بحقها”.

Leave A Reply

Subscribe Your Email for Newsletter & Promotion